ملخص المحتوى الرئيسي
كانت شركة أبل في يوم من الأيام تعتبر مثالاً يحتذى به في إدارة سلاسل التوريد العالمية بفضل “فلسفة الحليب” لستيف جوبز، حيث كان يرى أن المخزون هو شيء سيء وكان يسعى دائماً إلى تدوير المخزون بسرعة مثل بيع الحليب الطازج لتجنب انخفاض قيمته. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، وبسبب المنافسة من صناعة الذكاء الاصطناعي على مكونات رئيسية مثل الذاكرة، وانخفاض أولوية الموردين، بالإضافة إلى نقص الرقائق في عام 2021، اضطرت أبل إلى تغيير سياستها والبدء في تخزين المزيد من المواد (مثل شاشات OLED). كما من المتوقع أن ترتفع أسعار الجيل الجديد من هواتف آيفون بمقدار 100 إلى 200 دولار، وقد تزيد أسعار الهواتف ذات الشاشات القابلة للطي عن 2000 دولار. ويرجع ذلك إلى التسوية المؤقتة في سياسة أبل من “الكفاءة القصوى” إلى “أمان التوريد”.
أولاً: فلسفة جوبز “الحليب”: تقليل المخزون إلى مستويات دقيقة
كان منطق جوبز بسيطاً للغاية: المكونات الإلكترونية تشبه الحليب، فإذا تركتها لفترة طويلة، قد تفسد أو تنخفض قيمتها. عندما تولى منصب الرئيس التنفيذي في عام 1998، كانت لدى الشركة 19 مستودعاً، وكانت دورة تدوير المخزون تحتاج إلى شهر كامل (من وصول القطع إلى بيعها)، وكان المخزون يبلغ أكثر من 400 مليون دولار.
كان حله “بسيطاً وفعالاً”:
- التخلص من مصانع الشركة: نقل عملية الإنتاج بالكامل إلى مصانع التجميع مثل فوكسكون وهوسين؛
- جعل الموردين يأتون إلى الموقع: إقناع تجار القطع ببناء مستودعاتهم أمام مصانع التجميع، بحيث لا تعتبر القطع جزءاً من مخزون أبل حتى يتم تجميعها في منتجات نهائية؛
- تحسين العمليات: التخلص من الخطوات غير الضرورية (مثل نقل القطع من آسيا إلى أيرلندا ثم إعادتها إلى آسيا)، واستخدام الشحن الجوي بدلاً من البحري (رغم التكلفة الأعلى، لكنه يسمح باتخاذ قرارات إنتاجية أسرع وتقليل مخاطر المخزون).
النتيجة: انخفض عدد أيام دوران المخزون من 30 يوماً إلى 6 أيام، وانخفض المبلغ من 400 مليون دولار إلى 78 مليون دولار، وفي وقت لاحق، أصبح بإمكان أبل حساب دورة تدوير المخزون حتى على مستوى الساعات. وبهذه الطريقة، تحولت من شركة على وشك الإفلاس إلى عملاق بقيمة سوقية تبلغ 4.4 تريليون دولار.
ثانياً: نقص الرقائق في عام 2021: أول مرة يفشل فيها نموذج المخزون المنخفض
تعرض نموذج المخزون المنخفض لأول مرة للخطر عام 2021: النقص لم يكن في الرقائق عالية الجودة، بل في رقائق أقل أهمية مثل تلك المستخدمة في إدارة الطاقة وتشغيل الشاشات (بأسعار منخفضة، لكن نقصها يعني عدم قدرة الهواتف على العمل بشكل صحيح).
قدرت أبل أن نقص الرقائق وانقطاع الإنتاج بسبب الوباء تسبب في خسارة 6 مليارات دولار؛ وكانت الخسائر أكبر خلال موسم عيد الميلاد. المشكلة كانت في عدم وجود احتياطي: لم يكن هناك مخزون من هذه الرقائق في المستودعات، وعندما نفذت، لم تتمكن الشركة من الحصول عليها من الموردين. أصبح “الكفاءة العالية” التي كانت ميزة أبل في السابق “ضعفاً”.
ثالثاً: صناعة الذكاء الاصطناعي تستحوذ على الذاكرة: تآكل نفوذ أبل في سلاسل التوريد
تواجه أبل الآن مشكلة أكثر صعوبة: صناعة الذكاء الاصطناعي تستحوذ على طاقات إنتاج الذاكرة.
تحتاج النماذج الكبيرة للذكاء الاصطناعي إلى كميات كبيرة من الذاكرة عالية السرعة (مثل HBM)، ويفضل مصنعو الذاكرة بيعها لمنتجات الذكاء الاصطناعي بدلاً من هواتف آبل، لذلك أصبحت الإمدادات أقل ويتم ترتيب الموردين حسب أولوياتهم (مثل مزودي خدمات السحابة والشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي).
كان جوبز يستخدم “الاتفاقيات طويلة الأجل + الدفع المسبق” لضمان الحصول على الإمدادات (مثل دفع 12.5 مليار دولار مقدماً لضمان إمدادات الذاكرة في عام 2005)، لكن هذه الطريقة لم تعد فعالة الآن؛ الموردين يفضلون التعاون مع شركات الذكاء الاصطناعي، ولا تستطيع أبل المنافسة مع صناعة الذكاء الاصطناعي بمفردها.
رابعاً: تخزين المواد + زيادة الأسعار: خطوات أبل للتكيف
كانت استجابات أبل عملية وواقعية:
- تخزين المواد: تم تمديد مدة تخزين شاشات OLED من 4 أسابيع إلى 6 أسابيع. على الرغم من أن شاشات OLED لا علاقة لها بالذاكرة، إلا أن استقرار توريدها يساعد في ضمان تكلفة الشراء المستقبلية وتخفيف ضغوط ارتفاع أسعار الذاكرة؛
- زيادة الأسعار: رفع سعر الجيل الجديد من هواتف آيفون بمقدار 100 إلى 200 دولار، وقد تزيد أسعار الهواتف ذات الشاشات القابلة للطي عن 2000 دولار. السبب واضح: ارتفاع تكلفة المكونات (الذاكرة)، وتعقيد تقنية الشاشات القابلة للطي مما يزيد من تكاليف سلاسل التوريد، بالإضافة إلى ضرورة تعويض خسائر نقص الإمدادات المحتملة.
خامساً: هل تغيرت فلسفة سلاسل التوريد؟ من “المخزون الصفري” إلى “المخزون الآمن”
لم تتخل أبل عن نموذج المخزون المنخفض، بل قامت بتعديله مؤقتاً: كان العدو الرئيسي في السابق هو انخفاض قيمة المخزون، أما الآن فإن أكبر خطر هو عدم القدرة على الحصول على المواد اللازمة.
جوهر “فلسفة جوبز” كان التخلص من عدم اليقين، لكن الظروف الحالية في الصناعة (مثل نقص الإمدادات بسبب الذكاء الاصطناعي وتقلبات سلاسل التوريد) أصبحت كبيرة للغاية، مما يجعل المخزون المنخفض غير فعال. لذلك، تسعى أبل إلى “إيجاد توازن بين الكفاءة والأمان”؛ من خلال تخزين بعض المواد التي يمكن الاعتماد عليها، ورفع الأسعار لتغطية التكاليف. وبمجرد استقرار سلاسل التوريد، قد تعود إلى نموذج المخزون المنخفض مرة أخرى، لكن في الوقت الحالي، “الأمان” أكثر أهمية من “الكفاءة”.
باختصار، لم تفشل سلاسل التوريد لدى أبل، بل واجهت تحديات جديدة في عصر الذكاء الاصطناعي، وهي تحاول التحول من “الكفاءة القصوى” إلى “الإمداد المرن”. هذه مشكلة يواجهها جميع الشركات التكنولوجية في ظل تطورات الذكاء الاصطناعي.