ملخص النقاط الرئيسية
ارتفعت عوائد سندات الحكومة في الدول الرئيسية حول العالم (مثل الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا وألمانيا) مؤخرًا إلى مستويات قياسية جديدة، مما أدى إلى “عاصفة ترابطية” في أسواق السندات. أشار بروكس، الاقتصادي السابق الرئيسي للجمعية الدولية للمالية، إلى أن البنوك المركزية قامت على مدى فترة طويلة بخفض عوائد سندات الحكومة بشكل اصطناعي، مما منع السوق من التنبؤ بالمخاطر الحقيقية للديون. وأضاف أن السوق لم يعد يتجاوب مع “الأخبار الإيجابية” التقليدية (مثل تباطؤ التضخم في الولايات المتحدة)، وأن ارتفاع عوائد السندات على المدى الطويل يدل على تراكم الضغوط الدينية. تعتبر اليابان الحالة الأكثر خطورة، حيث تواجه بالفعل “أزمة ديون غير مرئية”, ويجب على الدول الأخرى أيضًا الانتباه إلى خطر ارتفاع تكاليف الديون على المدى الطويل.
أولاً: “السلوك غير الطبيعي” في أسواق السندات العالمية: لماذا لم تعد الأخبار الإيجابية فعالة؟
في الأسبوع الماضي، كانت بيانات التضخم الأمريكية أقل حدة من المتوقع (أي أنها كانت “متشائمة”)، ومن المفترض أن يؤدي ذلك إلى عدم مواصلة البنك الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة، مما كان من المفترض أن يؤدي إلى انخفاض عوائد سندات الحكومة على المدى الطويل (لأن الناس لن يخافوا من زيادة تكاليف الفائدة في المستقبل). ومع ذلك، كانت النتيجة عكسية؛ حيث ارتفعت عوائد السندات على المدى الطويل في جميع أنحاء العالم بشكل عام، وارتفعت في بعض المناطق بشكل كبير.
وصف بروكس هذا بأنه “إشارة مثيرة للقلق”: فالسوق الآن يهتم ليس برفع أسعار الفائدة على المدى القصير، ولكن بما إذا كان من الممكن سداد الديون على المدى الطويل. الأخبار الإيجابية السابقة (مثل عدم رفع أسعار الفائدة) كانت تحل مشاكل قصيرة الأجل فقط، ولكن المخاطر الناجمة عن حجم الديون الكبير وزيادة تكاليف الفائدة أصبحت أكبر من تأثير هذه الأخبار الإيجابية. بدأ السوق في التعبير عن شكوكه حول استدامة الديون عن طريق رفع عوائد السندات.
ثانيًا: “مقياس جديد” لتقييم أزمة الديون: عائدات السندات طويلة الأجل (10 سنوات)
استخدم بروكس مؤشرًا يُعرف باسم “عائدات السندات طويلة الأجل (10 سنوات)” لتقييم المخاطر. هذا المؤشر قد يبدو معقدًا، ولكنه في الواقع بسيط:
- عوائد سندات الحكومة لمدة 10 سنوات تتأثر بالسياسات قصيرة الأجل للبنوك المركزية (مثل ما إذا كانت سترفع أسعار الفائدة أم لا)؛
- عائدات السندات طويلة الأجل (10 سنوات) هي “توقعات السوق لعوائد سندات الحكومة لمدة 10 سنوات في المستقبل” (تُحسب من عوائد سندات مدة 10 و20 سنة)، وهي تزيل التأثيرات الناتجة عن السياسات قصيرة الأجل وتعكس بشكل أفضل رأي السوق حول قدرة الحكومات على سداد ديونها في المستقبل.
خلال الأسبوع الماضي، ارتفعت عائدات السندات طويلة الأجل (10 سنوات) تقريبًا في جميع الدول الرئيسية حول العالم: بزيادة 14 نقطة أساس في فرنسا، و13 نقطة في المملكة المتحدة، و11 نقطة في اليابان، حتى الولايات المتحدة التي تعتبر ملاذًا آمنًا ارتفعت بزيادة 5 نقاط. هذا يدل على أن قلق السوق من مخاطر الديون على المدى الطويل ينتشر، وليس مجرد مشكلة في دولة واحدة.
ثالثًا: اليابان: حالة نموذجية لأزمة ديون “غير مرئية”
تعتبر اليابان الحالة الأكثر بروزًا، وقال بروكس إنها تواجه بالفعل “أزمة ديون غير مرئية”:
1. انحراف شديد في منحنى عائدات السندات: حاول البنك المركزي الياباني لفترة طويلة السيطرة على الحد الأقصى لعوائد سندات الحكومة (مثل خفضها إلى أقل من 0.5%)، مما أدى إلى انخفاض ظاهري في العوائد، ولكن السوق يعتقد أن العوائد الحقيقية أعلى بكثير (مما يعني إخفاء المخاطر الحقيقية).
2. السبب وراء انخفاض قيمة الين: خفض عوائد السندات بشكل اصطناعي جعل الناس يعتقدون أن لديون اليابان حجمًا كبيرًا وأن عملتها غير قيمة، مما أدى إلى استمرار انخفاض قيمة الين. حتى تدخلات الحكومة اليابانية في سوق العملات الأجنبية (مثل شراء الين وبيع الدولار) لم تكن فعالة؛ لأن المشكلة الأساسية هي الديون، وليست أسعار الصرف.
3. البيانات تتحدث بوضوح: يُظهر مؤشر Z-score (الذي يقيس مدى انحراف منحنى عائدات السندات عن المعدلات التاريخية) أن قيمة اليابان تجاوزت النطاق الطبيعي (كانت دائمًا حول 2، مقارنة بالدول الأخرى في مجموعة G10)، مما يدل على أن مخاطر الديون على المدى الطويل كانت شديدة جدًا تاريخيًا.
أظهرت أحدث البيانات أن عائدات سندات الحكومة لمدة 10 سنوات في اليابان ارتفعت إلى 2.945%، وهو أعلى مستوى منذ عام 1996، مما يعني أن تكلفة اقتراض الحكومة اليابانية في تزايد، وأن الأزمة الغير مرئية تصبح أكثر وضوحًا.
رابعًا: الدول الأخرى: لا تظنوا أنكم بمأمان، فالمخاطر تتراكم
على الرغم من أن درجة انحراف منحنيات عائدات السندات في الدول الأخرى في مجموعة G10 (مثل الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا) ليست كبيرة مثل اليابان، حذر بروكس: “العامل الحاسم في استدامة الديون هو ‘العائد الفعلي’ (تكلفة الفائدة بعد خصم التضخم)، وهذا العائد يرتفع حول العالم”.
على سبيل المثال، الولايات المتحدة، على الرغم من أنها تُعتبر “أكثر الدول أمانًا”, ارتفعت عائدات السندات طويلة الأجل (10 سنوات) بزيادة 5 نقاط أساس؛ وكذلك فرنسا والمملكة المتحدة. هذا يدل على أن جميع الدول تواجه ضغوطًا لزيادة تكاليف الديون على المدى الطويل، وإذا لم تتحكم الحكومات في حجم الديون، فسيصبح اقتراض الأموال أكثر تكلفة في المستقبل، وقد تتبع اليابان مسارها.
خامسًا: “الآثار الجانبية” لتدخلات البنوك المركزية: فشل إشارات السوق، والأزمة أعمق من ذلك
الرأي الأساسي لبروكس هو أن البنوك المركزية التي خفضت عوائد سندات الحكومة بشكل اصطناعي على مدى فترة طويلة جعلت السوق يفقد قدرته على التنبؤ بالأزمات الديون. في الظروف الطبيعية، ارتفاع عوائد سندات الحكومة هو إشارة من السوق إلى وجود مخاطر ديون، لكن البنوك المركزية خفضت هذه العوائد عن طريق شراء السندات، مما يعادل “إسكات السوق”.
الوضع الحالي هو أن تأثير “إسكات السوق” يتدهور؛ حتى عندما تحاول البنوك المركزية خفض العوائد، يستمر السوق في الارتفاع. هذا يعني أن الضغوط الدينية أصبحت كبيرة جدًا لدرجة أنها لا يمكن إخفاؤها، ولكنها لم تتحول بعد إلى أزمة واضحة. اليابان مثال على ذلك: عدم القدرة على خفض العوائد أدى إلى أزمة نقدية؛ والسبب الأساسي لأزمة النقد هو الديون.
خلاصة
“العاصفة الترابطية” في أسواق السندات العالمية ليست عرضية، بل نتيجة حتمية لتراكم الديون على المدى الطويل وتدخلات البنوك المركزية. اليابان هي أول حالة “انفجارية” غير مرئية، وإذا لم تأخذ الدول الأخرى مشكلة الديون على محمل الجد، فقد تواجه مخاطر أكبر في المستقبل. يجب على المستثمرين العاديين الانتباه إلى أن ارتفاع عوائد سندات الحكومة على المدى الطويل قد يؤثر على أسواق الأسهم والعقارات (مثل زيادة أسعار الفائدة على القروض العقارية)، ويجب الانتباه إلى تقلبات أسعار الأصول؛ بالنسبة للحكومات، التحكم في حجم الديون وتقليل التدخلات الاصطناعية في السوق هو الحل الأساسي.