ملخص المحتوى الرئيسي
تقوم نوكيا بتعديلات كبيرة في أعمالها في الصين: حيث تخطط لإغلاق مركز البحث والتطوير في هانغتشو (الذي يضم حوالي 1600 شخص)، بالإضافة إلى تقليص عدد المصانع في بكين وتشنغدو وتشينغداو وشنغهاي وأماكن أخرى. كشف موظفو نوكيا في شنغهاي عن أن نسبة التسريح قد تصل إلى 80%-90٪، وقد يتم نقل بعض الموظفين إلى شركة ليشين جينغتشي (Lixun Precision)، مع تقديم تعويضات عبارة عن مدة خدمة إضافية قدرها 2 أو 3 أشهر. وراء هذه الإجراءات إعادة هيكلة نوكيا العالمية (دمج أعمالها في الصين ضمن نظامها العالمي)، بالإضافة إلى تراجع القدرة التنافسية للسوق الصينية لتقنية 5G (حيث تبلغ حصتها حوالي 4٪ فقط)، وتحول الشركة إلى التركيز على تقنيات الذكاء الاصطناعي والسحابة. شركة “شانغهاي بيل” (Shanghai Bell)، التي كانت في يوم من الأيام شركة مرموقة، تتلاشى تدريجياً مع التغيرات الصناعية.
أولاً: مدى صرامة هذه التعديلات؟
إجراءات نوكيا ليست بسيطة:
- مركز هانغتشو للبحث والتطوير هو الأولى ضمن قائمة الإغلاقات: حيث يتم التخطيط لإغلاقه مباشرة، وهو يضم 1600 شخص، وهذا مجرد بداية.
- حالة المنطقة الصناعية في شنغهاي صعبة: المنطقة الشمالية من حديقة بودونغ جينتشياو أصبحت خالية تمامًا، بينما لا تزال المنطقة الجنوبية تعمل بشكل طبيعي، لكن الموظفين يقولون إنها قد تغلق بحلول نهاية العام، ويوجد حاليًا حوالي ألف إلى ألفي موظف (من ثلاثة إلى أربعة آلاف في أوج العمليات)، وهناك تسريحات شهرية.
- نسب التسريح مذهلة: يتوقع الموظفون أن نسبة التسريح في شنغهاي قد تصل إلى 80%-90٪، والتعويضات لا تزال قيد المفاوضة؛ بعض الموظفين سيحصلون على مدة خدمة إضافية قدرها 2 أشهر، والبعض الآخر على 3 أشهر من الأجور.
- اتجاهات التوظيف المحتملة: يُقال إن بعض الموظفين قد ينتقلون إلى شركة ليشين جينغتشي، لكن الشركة لم تؤكد ذلك رسميًا.
- الأعمال مستمرة: على الرغم من التسريحات، فإن العمليات الحالية لا تزال جارية، لكن الموظفين يشعرون بالقلق.
ثانيًا: لماذا تتخذ نوكيا هذه الإجراءات فجأة؟
إعادة الهيكلة العالمية وتراجع أداء السوق الصيني:
- الشركة تقوم بتقليص عدد موظفيها عالميًا: من 30,000 شخص في أكتوبر 2018 إلى 78,000 شخص في عام 2025، وارتفعت تكاليف إعادة الهيكلة من 250 مليون يورو إلى 800 مليون يورو في عام 2026، حيث يرتبط جزء كبير من هذا المبلغ (350 مليون يورو) بتبسيط الهيكل التنظيمي لأعمال نوكيا في الصين.
- أداء أعمال نوكيا في الصين في تراجع مستمر: انخفض عدد الموظفين بنسبة النصف خلال 5 سنوات (من 13,700 شخص في عام 2020 إلى 7,200 شخص في عام 2025)، والسبب واضح: لم تتمكن نوكيا من مواكبة التطورات السريعة في تقنية 5G.
- المنافسة من شركات مثل هواوي وزيدونغ: عندما بدأت الشركات الصينية بتطوير تقنية 5G، كانت بحاجة إلى معدات مناسبة للتكيف مع الترددات والبنى الشبكية المحلية، لكن نوكيا أصرت على استخدام منتجات موحدة عالميًا، مما أدى إلى تأخيرها.
- الأسعار مقارنة بشركات أخرى: كانت أسعار نوكيا أغلى من هواوي وزيدونغ، مما جعلها غير قادرة على الفوز بالعقود الحكومية؛ في عام 2024، كانت حصة نوكيا وإريكسون (Ericsson) في سوق شبكات شركة موبايل الصينية حوالي 4٪ فقط.
- تحول الشركة إلى التركيز على تقنيات الذكاء الاصطناعي والسحابة: أظهرت نتائج المالية الأخيرة لنوكيا زيادة في مبيعات هذه التقنيات بنسبة 105٪ مقارنة بالعام السابق، بينما كان نمو أعمال الأجهزة المحمولة التقليدية محدودًا، وبالتالي تم تقليل الاستثمار في الأعمال التقليدية في الصين.
ثالثًا: من “شركة مرموقة” إلى “خسارة في سوق 5G”: تاريخ شركة شانغهاي بيل
تأسست شركة نوكيا في الصين تحت اسم “شانغهاي بيل”, وكانت تعتبر مثالًا يحتذى به في صناعة الاتصالات:
- بداية مرموقة: تأسست عام 1984 كأول شركة اتصالات مشتركة بين الصين ودولة أجنبية، حيث كانت الحصة الصينية 60٪ والحصة الأجنبية 40ً%؛ لاحقًا تم إضافة شركة ألكاتل (Alcatel)، مما زاد حصة الصين إلى 50٪ والحصة الأجنبية إلى 50٪ + سهم واحد، وتم تعيين رئيس مجلس الإدارة من الجانب الصيني والرئيس التنفيذي من الجانب الأجنبي.
- الشركة المثالية في الماضي: كانت توفر ظروف عمل جيدة وبيئة ممتازة، وكانت خيارًا مثاليًا لخريجي تخصص الاتصالات؛ يتذكر بعض الموظفين أن العمل في شانغهاي كان أفضل من اجتياز امتحانات الخدمة المدنية.
- تغيرات في الملكية: في عام 2016، استحوذت نوكيا على شركة ألكاتل-لوسين (Alcatel-Lucent)، وفي عام 2017 تم دمجها مع شانغهاي بيل لتشكيل “نوكيا بيل”، وفي نهاية عام 2025 أصبحت نوكيا المساهم الوحيد في الشركة، وفي عام 2026 تم تغيير اسمها إلى “نوكيا كوميونيكيشنز (شنغهاي)” (Nokia Communications (Shanghai))، مما أدى إلى فقدان الطابع المشترك بين الجانبين.
رابعًا: مصير الموظفين بعد التسريحات
بالنسبة للموظفين القدامى، كانت هذه التغييرات صدمة كبيرة:
- القلق بشأن المستقبل: يقول أحد الموظفين الذين عملوا لأكثر من 10 سنوات: “حتى مع التعويض، لا أعرف ما إذا كنت سأتمكن من العثور على وظيفة أخرى في هذا العمر”؛ صناعة الاتصالات تشهد تطورات تقنية سريعة، مما يجعل التحول صعبًا على الموظفين القدامى.
- عدم اليقين: على الرغم من وجود خطط للتعويضات، إلا أن التفاصيل لا تزال قيد المفاوضة، ولا يزال هناك شكوك حول احتمالية الانتقال إلى شركة ليشين جينغتشي.
- الشعور بالخسارة: المنطقة الصناعية التي كانت مزدهرة أصبحت خالية الآن، والزملاء المألوفون يغادرون تدريجيًا؛ الشركة التي كانت في يوم من الأيام مرموقة أصبحت مجرد ذكرى.
خامسًا: المنطق الصناعي وراء هذه التغييرات: تطور صناعة الاتصالات في الصين
انحدار نوكيا في الصين يعكس أيضًا نمو الصناعة المحلية:
- نضج سلسلة التوريد الصينية: عند تأسيس شانغهاي بيل، كانت الصين بحاجة إلى التكنولوجيا من خلال الشراكات الأجنبية؛ الآن، شركات مثل هواوي وزيدونغ قادرة على التطوير المستقل وحتى تتفوق عالميًا.
- تغيرات في المنافسة العالمية: أصبح سوق معدات الاتصالات مشبعًا، والشركات الكبرى تتجه نحو تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي والسحابة؛ نوكيا ليست استثناءً.
- أهمية التكيف المحلي: في السوق الصينية، من الصعب على الشركات غير المتكيفة مع المتطلبات المحلية (مثل الترددات ومتطلبات المشغلين) الاستمرار في النجاح؛ استراتيجية نوكا القائمة على منتجات موحدة عالميًا كانت خطأ فادحًا.
هذه التغييرات تمثل خطوة في التحول الاستراتيجي لنوكيا، لكنها تشكل تحديًا كبيرًا بالنسبة للموظفين. انتهاء “الشركة المرموقة” في نوكيا هو جزء من التغيرات الصناعية، ويبرز أيضًا عجز الأفراد أمام تيارات العصر.