نظرة عامة على المحتوى الرئيسي
تعتمد حكومة ترامب حاليًا على الفارق الهائل في حجم الاقتصاد الأمريكي مقارنة بكندا (الذي يبلغ 13 ضعفًا) لإجبار كندا على التنازلات من جانب واحد في المفاوضات التجارية، وحتى أنها أعلنت أن الإعفاءات الضريبية المتفق عليها سابقًا على الصلب والألمنيوم لاغية الآن. الجانبان يتبادلان الاتهامات بشدة: الجانب الأمريكي يلوم رئيس الوزراء الكندي كارني على “عدم إدراكه للجميل”, بينما يرد كارني بأن على الولايات المتحدة التوقف عن استخدام الرسوم المتحركة والجلوس للتفاوض بجدية. وقد ظهرت في كندا أفكار غريبة مثل “الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي للتخلص من السيطرة الأمريكية”, وعلى الرغم من أن هذه الفكرة قد تبدو خيالية، إلا أنها إذا تحققت، فقد تهدد أسس الهيمنة الأمريكية في أمريكا الشمالية التي استمرت لمئات السنين. ومع ذلك، من حيث مستوى الارتباط الاقتصادي الحالي وقواعد الاتحاد الأوروبي وخيارات المصالح المختلفة، فمن المحتمل جدًا أن تصبح هذه الفكرة مجرد ورقة مساومة في المفاوضات بين كندا والولايات المتحدة، ومن غير المرجح أن تتحقق على الإطلاق.
---
تفسير مفصل
1. الوضع الحقيقي للحرب التجارية بين الولايات المتحدة وكندا: نصفها مجرد عرض انتخابي ونصفها محاولة للاستفادة الحقيقية
يبدو الوضع بين الجانبين متوترًا، لكن كل طرف لديه أهدافه الخاصة:
بالنسبة لترامب، فإن الانتخابات النصفية في نوفمبر قريبة، وما يحتاجه بشدة هو إظهار أمام الناخبين أنه “قوي في التعامل مع الآخرين ويمكنه الحصول على مزايا للولايات المتحدة”. إجراء حرب تجارية مع كندا، وهي حليف تقليدي، يكلفه القليل جدًا؛ فالاقتصاد الأمريكي أكبر بـ13 ضعف اقتصاد كندا، مما يعني أن الحرب التجارية مثل شخص يكسب راتبًا شهريًا قدره 10 آلاف دولار يتنافس مع شخص يكسب 130 ألف دولار. كندا قد تعاني اقتصاديًا لمدة شهر، بينما لن تشعر الولايات المتحدة بأي ضرر كبير، وهذا بمثابة عرض انتخابي يتميز بـ“استثمار منخفض وعائد مرتفع”. لذلك، من المرجح أن يستمر الصراع حتى نهاية الانتخابات النصفية، وبعد ذلك فقط قد يتراجع ترامب عن موقفه.
أما الجانب الأمريكي، فقد تراجع عن الوعود التي قطعها سابقًا بشأن الإعفاءات الضريبية لكندا، مدركًا أن كندا لا تستطيع تحمل الضغوط، ويبدو واضحًا أنهم يريدون إجبار كندا على التنازلات. حتى وزير المالية الأمريكي صرح بأن كندا “لا تمتلك القدرة على خوض حرب تجارية متكافئة مع الولايات المتحدة”.
2. لماذا فكرة “انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي” تبدو غريبة، لكن نصف الكنديين يدعمونها؟
قد يبدو هذا الأمر سخيفًا للكثيرين، لكن الاستطلاعات تظهر أن نصف الكنديين يدعمون هذه الفكرة بالفعل. السبب هو أن تصرفات ترامب تتجاوز الحدود المعتادة في العلاقات بين البلدين:
على مدى القرن الماضي، كانت كندا دائمًا الحليف الأكثر ولاءً للولايات المتحدة؛ كندا أرسلت جنودها في جميع الحروب التي شنتها الولايات المتحدة، وكانت أسعار النفط التي تبيعها للولايات المتحدة أقل بكثير من الأسعار السوقية، و90% من السكان والمصانع تقع على بعد 200 كيلومتر من الحدود بين البلدين، مما يعني أن الاقتصاد الكندي كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد الأمريكي. لكن ترامب غير موقفه فجأة، ووصف كندا بأنها “تستفيد من الحماية الأمريكية دون دفع ثمن”، وحتى أنه مزح علنًا بتغيير اسم بحيرة أونتاريو إلى “بحيرة الولايات المتحدة”. هذا التغيير في الموقف أثار استياء الكنديين بشدة، خاصة بعد تصريحات سياسيين أوروبيين داعمين لفكرة الانضمام.
بالإضافة إلى ذلك، فإن العديد من الكنديين يرون أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يكون خيارًا أفضل من الاستمرار تحت سيطرة الولايات المتحدة.
3. مدى صعوبة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟
الواقع أكثر صعوبة مما يبدو؛ فالعملية تتطلب تغييرات كبيرة في القوانين والعلاقات الاقتصادية:
وزير المالية الكندي اعترف بأن سلاسل التوريد بين الولايات المتحدة وكندا معقدة للغاية؛ على سبيل المثال، قد يتم تجميع نصف مكونات السيارة في الولايات المتحدة، ثم نقلها إلى كندا لتجميع الجزء الآخر، ثم إعادتها إلى الولايات المتحدة للبيع. إذا أرادت كندا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فسيتعين عليها إلغاء اتفاقية التجارة الحرة الحالية وإعادة فتح الجمارك على الحدود، مما يعني تدمير 90% من أعمالها التجارية الخارجية، وهو خسارة أكبر بكثير من عشر حروب تجارية.
كما أن قواعد الاتحاد الأوروبي صارمة للغاية؛ فالمعاهدة الأساسية للاتحاد تنص صراحةً على أنه يمكن فقط للدول الأوروبية الانضمام. حتى اتفاقية التجارة الحرة بين كندا والاتحاد الأوروبي التي تم التفاوض عليها لسنوات لم تحصل على موافقة جميع الدول الأعضاء بعد، ومن غير المرجح أن تحصل كندا على الموافقة. بالإضافة إلى ذلك، الكنديون ينتظرون الانتخابات الأمريكية في عام 2028؛ فإذا فاز الحزب الديمقراطي، فقد تتغير سياسة ترامب، ولن يكون من المجدي بذل جهود كبيرة لتغيير القوانين الوطنية وإغضاب أكبر جار للولايات المتحدة.
4. المنطق الكامن وراء الأمر: كندا جزء “غير مرئي” من هيمنة الولايات المتحدة
يعتقد الكثيرون أن العلاقة بين الولايات المتحدة وكندا عادية، لكن في الواقع، كندا تعتبر ركيزة أساسية لهيمنة الولايات المتحدة العالمية:
الولايات المتحدة هي القوة الأقوى في العالم، وذلك لأنها تسيطر على القارة الأمريكية الشمالية بالكامل؛ لديها صناعات متنوعة وموارد طاقة كافية وأراضي زراعية عالية الجودة. كندا، على الرغم من كونها ثاني أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، إلا أن معظم أراضيها الشمالية غير مأهولة ومغطاة بالجليد، وجميع مواردها وقدراتها الإنتاجية مخصصة لدعم الولايات المتحدة. إذا انضمت كندا إلى الاتحاد الأوروبي، فسيصبح لدى الاتحاد الأوروبي موارد وأراضي كبيرة في أمريكا الشمالية، مما يمكن أن يجعله قوة متكافئة للولايات المتحدة، مما يهدد أسس هيمنتها.
5. الاتجاه الأكثر احتمالًا: في النهاية، من المرجح أن تتنازل كندا قليلاً، والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي سيكون مجرد ورقة مساومة
الصراع الحالي بين الجانبين يهدف في الأساس إلى التفاوض على شروط أفضل؛ كندا تنشر شائعات عن انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي للضغط على الولايات المتحدة، معتقدة أنه إذا ضغطت عليها بشدة، فقد تلجأ إلى الاتحاد الأوروبي، مما يؤدي إلى خسائر كبيرة للولايات المتحدة.
لكن من الواضح أن كندا لم تبدأ أي إجراءات رسمية للانضمام، والاتحاد الأوروبي لم يضع هذا الأمر على جدول أعماله بعد. من المرجح أن تجد الولايات المتحدة طريقة للتهدئة بعد الانتخابات النصفية، وستتنازل كندا عن بعض المزايا رمزيًا، وسيعود الجانبان إلى حالة التعاون السابقة. فكرة انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي تبدو مجرد وسيلة لترامب لإثارة الصراع التجاري، وقد أضافت عاملًا جديدًا إلى التوازنات الجيوسياسية العالمية، مذكرة جميع الدول الصغيرة المعتمدة على القوى الكبرى بأن الخيارات الغريبة قد تصبح حقيقية إذا تم الضغط عليها بشدة.