عندما تبدأ أكثر شركات الذكاء الاصطناعي “أمانًا” في التصرف بتهور: لعبة حول الثقة والمال والبقاء على قيد الحياة
مرحبًا بكم، أنا مراسل مالي واقتصادي. ما سنتحدث عنه اليوم ليس تقريرًا تقنيًا جافًا، بل أزمة ثقة تحدث على أعلى مستويات وادي السيليكون.
بطل القصة هو شركة Anthropic، التي تُعتبر من أكثر الشركات في مجال الذكاء الاصطناعي التي تلتزم بالقواعد وتهتم بالأمان. الشخصية الرئيسية في القصة هي جاكوب كوكسون، وهو باحث انضم إلى الشركة منذ أربعة أشهر فقط. في 8 سبتمبر 2026، استقال فجأة وأعلن علنًا: كلا الشركتين، Anthropic وOpenAI، تخاطران بحياة البشرية في سعيهما وراء الذكاء الاصطناعي الفائق، وهما تتخلىان عن المعايير الأساسية للأمان.
لم يكن السبب في الضجة هو استقالة كوكسون فحسب، بل لأنه قال كلمة حقيقية: “استقلت قبل تحديد ملكية الأسهم، ولم أعد بحاجة إلى رفع تقييم شركة Anthropic لتحقيق الربح”.
تخيلوا أن لديكم تذكرة يانصيب ضخمة على وشك الاستحقاق (تتوقع شركة Anthropic إدراج أسهمها في البورصة في أكتوبر بقيمة 2 تريليون دولار أمريكي)، لكنكم قررتم تمزيقها… لماذا؟ لأنكم تعتقدون أن الشركة تقوم بشيء خاطئ بشكل فادح.
اليوم، سنحلل منطق الأمور بلغة بسيطة لنفهم ما يحدث بالضبط.
---
أولاً: من “نظام الفرامل” إلى “شريط زينة”: التغيير الخفي في وعود الأمان
يجب أن نفهم ما غيرته شركة Anthropic بالضبط. في عام 2023، أصدرت الشركة سياسة توسع مسؤولة (RSP)، وكانت هناك وعد قوي يمكن اعتباره “نظام الفرامل الطارئ” للسيارة:
> “إذا لم تكن إجراءاتنا الأمنية كافية، يجب علينا تعليق تدريب النماذج الأقوى.”
كان هذا قيدًا صارمًا يعني أنه إذا لم يتم الالتزام به، لا يمكن المضي قدمًا. كان هذا سمة مميزة لشركة Anthropic وما يفرقها عن OpenAI (التي تسعى للسرعة).
لكن في فبراير 2026، أصدرت Anthropic نسخة محدثة من السياسة (RSP 3.0)، واختفى هذا “نظام الفرامل الطارئ”. حل محله نظام أكثر تعقيدًا يتضمن خرائط طريق وتقارير مخاطر وإشرافًا خارجيًا.
ببساطة، كان الوضع سابقًا: “إذا فشلت الفرامل، أتوقف”. أما الآن، فهو: “إذا كانت هناك مشكلة بسيطة في الفرامل، أكتب تقريرًا أشرح فيه سبب استمراري في القيادة، وأراقب العدادات أثناء القيادة”.
تفسر شركة Anthropic ذلك بأن حدود قدرات الذكاء الاصطناعي غير واضحة، لذا لا يمكن تحديد متى يجب التوقف بدقة، لكن المشكلة هي: لماذا تم وضع هذا الوعد كسمة مميزة قبل عامين؟ ولماذا تم تعديله بالضبط قبل إدراج الأسهم في البورصة؟
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن شركة Anthropic وقعت عقودًا لشراء قدرات حاسوبية بقيمة 517 مليار دولار أمريكي للعشر سنوات القادمة في نفس الفترة. شركة تحجز تكاليفها المستقبلية مسبقًا لن تكون قادرة على التوقف بسهولة… تحولت وعود الأمان من “ما لا نفعله” (قيد صارم) إلى “كيف نشرح ما فعلنا” (تفسير ضعيف).
ثانيًا: كلمتان اختفيتا: حتى OpenAI بدأت في تغيير موقفها
هل تعتقدون أن شركة Anthropic فقط هي من غيرت وثائقها؟ لا، OpenAI أيضًا تغيرت.
في نوفمبر 2025، غيرت OpenAI بيان مهمتها في النموذج السنوي (النموذج 990):
- سابقًا: “بناء الذكاء الاصطناعي العام الذي يفيد البشرية بأمان، دون الخضوع لمتطلبات العائد المالي.”
- الآن: “ضمان أن الذكاء الاصطناعي العام يفيد البشرية.”
لاحظوا اختفاء كلمتين مهمتين:
1. “بأمان”: تلاشت الوعود المتعلقة بالأمان.
2. **“دون الخضوع لمتطلبات العائد المالي”: اختفت الوعود المتعلقة بالمال.
هذا يعني أن OpenAI لم تعد تؤكد أن وجودها يهدف إلى أمان البشرية، ولم تعد تؤكد استقلالها عن مصالح رأس المال. أصبحت أشبه بعملاق تكنولوجي يسعى فقط لتحقيق أقصى ربح.
في الوقت نفسه، قامت OpenAI بحل ثلاثة فرق أمنية رئيسية خلال عامين، بما في ذلك الفريق المشهور “فريق التوافق الفائق”. حتى شخصية بارزة مثل إيليا سوتسكيفر غادرت لتأسيس شركة متخصصة في الأمان.
هذا يدل على أن كلا الشركتين، اللتين كانتا تؤكدان على الأمان بشدة، كانتا تعيدان تعريف حدود الأمان في نفس الفترة… هذا ليس انحدارًا أخلاقيًا لشركة واحدة فحسب، بل تغييرًا جماعيًا في الصناعة تحت ضغط رأس المال والمنافسة. عندما يصبح “الأمان” موضوعًا قابلًا للتفاوض بدلاً من كونه شرطًا غير قابل للتفاوض، تبدأ المخاطر.
ثالثًا: معضلة لا حل لها: هل يجب أن نكون أسرع من أجل أمان أكبر؟
قال كوكسون في مقابلة عبارتين صادمتين تكشفان عن المأزق في صناعة الذكاء الاصطناعي:
1. “إذا كنت تواجه ضغوط المنافسة، عليك اختيار الطرق المختصرة أو تجاهل خطوات عمليات الإشراف.”
2. “التعصب المفرط تجاه OpenAI والصين أحيانًا يُستخدم كذريعة لتسريع التقدم.”
هذا يخلق معضلة مرعبة:
- المنطق أ: إذا تباطأت شركة Anthropic في إجراءات التقييم الأمني، قد تسبقها شركة OpenAI أو الصين في تطوير الذكاء الاصطناعي الفائق.
- المنطق ب: إذا طورت الشركات المنافسة الذكاء الاصطناعي الفائق أولاً وكانت إجراءاتها الأمنية أقل من إجراءات شركة Anthropic، فإن المخاطر العالمية ستصبح خارجة عن السيطرة.
- النتيجة: من أجل “أمان أكبر” (لمنع شخص غير آمن من تطوير الذكاء الاصطناعي الفائق أولاً)، يجب على شركة Anthropic أن تسرع في تحقيق ذلك.
- العواقب: لكن “السرعة” تعني تقليل وقت التدريب والتقييم والإطلاق، مما يقلل من الوقت المتاح للباحثين لفهم آليات النماذج وفحص السلوكيات الخطرة.
ببساطة، كوكسون استقال لأنه اكتشف أنه في هذا النظام التنافسي، لا توجد شركة يمكنها الحفاظ على الأمان بمفردها… هذا مأزق نظامي. لا فائدة من التغيير إلى شركة أخرى، لأن الجميع يسرعون، ولا أحد يجرؤ على استخدام الفرامل، لأن من يفعل ذلك سيتم استبعاده أو تجاوزه من قبل المنافسين.
رابعًا: الإيقاف بعد ثلاثة أيام: الأمان يعتمد على “الإطفاء بعد وقوع الحريق”، وليس على “الوقاية مسبقًا”
ذكرت المقالة حدثًا رئيسيًا: حادثة “Fable 5” في يونيو 2026.
أصدرت شركة Anthropic نموذجًا جديدًا يُدعى Fable 5، وبعد يومين اتصل الرئيس التنفيذي لشركة أمازون بالبيت الأبيض ليقول إن النموذج يحتوي على ثغرات يمكن استغلالها لتجاوز الإجراءات الأمنية… عقدت الإدارة الأمريكية اجتماعًا عاجلاً وأصدرت قرارًا بحظر تصدير النموذج، وتم إيقاف استخدامه عالميًا.
من الإصدار إلى الإيقاف، استغرق الأمر ثلاثة أيام فقط.
الحقيقة المؤلمة هي أن ما أوقف النموذج لم يكن القيد الأمني المعدل داخليًا، بل تدخل الحكومة بعد أن تم إطلاق الخطر… هذا يدل على أن وعود الأمان لم تعمل كما كان متوقعًا… بدت أكثر كأداة للعلاقات العامة أو الامتثال للوائح بعد وقوع الحادث.
خامسًا: كابوس المستثمرين: كم تساوي وعود الأمان من الناحية المالية؟
أخيرًا، دعونا ننظر إلى سوق رأس المال.
تبلغ قيمة شركة Anthropic 2 تريليون دولار أمريكي، وقصتها التسويقية هي: “نحن أكثر شركات الذكاء الاصطناعي أمانًا”. يشتري المستثمرون ليس فقط قدرات النماذج، بل أيضًا وعود الإدارة الأمنية.