مرحبًا! أنا مراسل مالي ومساعد عالم اقتصادي. المقال الذي أمامنا من مجلة “IPP Review” يقوم في الواقع بتحليل “دماغ” الساحة السياسية الأمريكية، أي المؤسسات البحثية والفكرية.
كنا نعتقد في السابق أن المؤسسات البحثية تقوم بتقديم الأفكار، لكننا اكتشفنا الآن أن دورها تحول إلى توفير الأشخاص المؤهلين للعمل في السياسة. الرأي الرئيسي في هذا المقال حاد للغاية: المؤسسات البحثية الأمريكية تتحول من منتجي أفكار إلى مخازن للمواهب السياسية، وهذا التحول يفرغها من استقلاليتها، وقد يؤدي في النهاية إلى جعلها غير ذات أهمية.
دعوني أشرح هذا المقال من خمسة جوانب بلغة بسيطة لتسهيل فهمك:
1. التحول الكبير في الدور: من “المستشارين” إلى “مجموعات من الموظفين الاحتياطيين”
في الماضي، كان للمؤسسات البحثية الأمريكية مثل معهد بروكينغز ومؤسسة تراديشنال مكانة كبيرة في واشنطن، مثل “المستشارين” أو “مجموعات الخبراء” بجانب الحكام.
- كيف كان الأمر في الماضي؟ عندما واجهت الحكومة مشاكل (مثل إعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية أو تطوير الردع النووي أثناء الحرب الباردة)، كانت تطلب من المؤسسات البحثية إجراء الدراسات وتقديم الحلول. كان دور المؤسسات هو تقديم الأفكار، وعلى الرغم من وجود تبادل بين المسؤولين والعلماء، إلا أن المؤسسات كانت تعتمد بشكل أساسي على قدراتها الخاصة في إنتاج الأفكار.
- كيف هو الأمر الآن؟ اكتشفت المؤسسات البحثية أن تقديم الأفكار وحدها لا يكفي؛ لذا بدأت في تدريب الأشخاص وإعداد الخطط مسبقًا، ثم ترشيحهم للمناصب الحكومية بمجرد أن تصل الأحزاب التي تدعمها إلى السلطة. هذا يعني أن المؤسسات لم تعد تهدف إلى إقناع الحكومة الحالية، بل إلى الاستعداد للحكم في المستقبل.
2. الحزبان يلعبان نفس اللعبة: الديمقراطيون والجمهوريون يستخدمان المؤسسات البحثية لتجميع المواهب
يعتقد الكثيرون أن هذا تصرف خاص بترامب أو الجمهوريين، لكن الديمقراطيين يفعلون الشيء نفسه ببراعة. يستخدم المقال مثالًا واضحًا: “تجميع المواهب أثناء فترة المعارضة، ثم استخدامها أثناء الحكم”:
- على سبيل المثال، مركز الأمن الأمريكي الجديد (CNAS): بعد تولي بايدن السلطة في عام 2021، دخل العديد من خبراء CNAS (مثل كولت كامبل وإيفلين هاينز) إلى مناصب رئيسية في الأمن القومي والدبلوماسية والدفاع. وقال الرئيس التنفيذي لـ CNAS علنًا إنهم يهدفون إلى تدريب جيل جديد من القادة لخدمة الحكومة الديمقراطية.
- على سبيل المثال، مؤسسة تراديشنال ومبادرة “ماراثون”: قامت المؤسسة بوضع خطة طموحة تضمنت 920 صفحة من السياسات وقاعدة بيانات تحتوي على 20 ألف مرشح محتمل للمناصب الحكومية؛ العديد من المشاركين في هذه الخطة دخلوا إلى الحكومة بعد فترة حكم ترامب.
الخلاصة: سواء كان الحزب الديمقراطي أو الجمهوري، فإن المؤسسات البحثية تعمل على تجميع المواهب لصالحهم.
3. لماذا هذا التحول؟ بسبب التطرف السياسي
السبب الرئيسي هو التطرف الشديد في السياسة الأمريكية:
- في الماضي: كان بإمكان الحزبين التفاوض مع بعضهما البعض، وكانت المؤسسات البحثية تلعب دورًا في التوسط والتوصل إلى حلول.
- الآن: الحزبان متعارضان إيديولوجيًا ولا يستمعان إلى بعضهما البعض. المؤسسات البحثية تدرك أن تقاريرها لا تؤثر على الحكومة الحالية، لذا تركز على تدريب المواهب لاستخدامها في المستقبل.
4. العواقب طويلة الأمد: فقدان المصداقية واختفاء المساحة العامة للنقاش
على المدى القصير، قد تبدو المؤسسات البحثية أكثر نفوذًا لأن أشخاصها يصبحون جزءًا من الحكومة، لكن على المدى الطويل، هذا يؤدي إلى فقدان مصداقيتها:
- فقدان المصداقية: كانت المؤسسات موثوقة لاستقلاليتها، لكن الآن أصبحت جزءًا من الأحزاب، وتقاريرها تُنظر إليها على أنها دعاية حزبية.
- اختفاء المساحة العامة للنقاش: لم تعد المؤسسات مكانًا لتبادل الآراء المختلفة؛ الأشخاص في الحكومة لا يحتاجون إلى مشورتها، وأولئك في المعارضة لا يحتاجون إلى إقناعهم، والنقاشات تتحول إلى تحريك داخل الأحزاب.
- تدهور القدرة على البحث: يتم سحب المواهب بشكل دوري للعمل في الحكومة، مما يجعل من الصعب على المؤسسات تطوير قدرات بحثية طويلة الأمد.
5. الفخ النهائي: قد تصبح المؤسسات البحثية غير ذات أهمية
يشير المقال إلى أن المؤسسات البحثية، إذا تحولت تمامًا إلى مخازن للمواهب، فإن قيمتها كمؤسسات مستقلة تختفي:
- أزمة الاستبدال: الأفكار السياسية المتخصصة نادرة ولا يمكن استبدالها، لكن يمكن العثور على المسؤولين من مصادر أخرى (مثل رواد التكنولوجيا في وادي السيليكون أو الخبراء الماليين في وول ستريت). إذا كانت المؤسسات تقدم فقط موظفين مطيعين، فما الفرق بينها وبين شركات التوظيف؟
- مصير “غير الأهمية”: عندما تركز المؤسسات البحثية على التوافق مع الأحزاب وتتجاهل المشاكل الواقعية، فإنها تفقد قيمتها. مثال على ذلك هو المسؤولون التكنولوجيون في إدارة ترامب الذين لم يفهموا العمليات السياسية، مما أدى إلى فشلهم.
خلاصة: تمر المؤسسات البحثية الأمريكية بتحول جذري؛ فهي تتحول من “منارات للأفكار” إلى “مصانع للمواهب السياسية”. على المدى القصير، قد تساعد هذا الأمر الأحزاب في تشكيل حكومات بسرعة، لكن على المدى الطويل، يؤدي إلى فقدان استقلاليتها وقيمتها كمؤسسات مستقلة وموثوقة.