هل الكون حقًا “يصبح أكثر ذكاءً”؟ تحليل للنقاش العلمي الكبير وراء كتاب “السهم الثاني للزمن”
مرحبًا بكم، أنا صحفي مالي وعالم اقتصاد. الكتاب الذي سنتحدث عنه اليوم قد يبدو غريبًا بعض الشيء – “السهم الثاني للزمن” – لكن السؤال الأساسي فيه واقعي للغاية: لماذا يصبح العالم أكثر تعقيدًا، وليس أكثر فوضى؟
دعونا نأخذ مثالًا: عندما ترمي حفنة من الرمال، تتناثر بشكل عشوائي؛ لكن إذا جمعت الرمال مع الأسمنت والحديد وفقًا لتصميم معين، تصبح ناطحة سحاب. تخبرنا الفيزياء أن الاتجاه العام للكون هو “زيادة الإنتروبيا”, أي الانتقال من النظام إلى الفوضى، تمامًا كما تتآكل الأحذية الجديدة وتتعفن الأوراق.
لكن انظر إلى الكون: من الغاز البسيط بعد الانفجار العظيم، إلى تكوين الكربون والأكسجين داخل النجوم، وصولًا إلى ظهور أدمغة البشر القادرة على التفكير… هذا بوضوح انتقال من الفوضى إلى النظام!
اقترح عالمان من معهد كارنيغي للعلوم، روبرت هاسون ومايكل هوانغ، في كتابهما أن هناك قانونًا طبيعيًا جديدًا يلعب دورًا في ذلك، وأطلقا عليه “قانون زيادة المعلومات الوظيفية”. ببساطة، الهدف هو أن “الهياكل المفيدة” تبقى، مما يجعل الأنظمة أكثر تعقيدًا.
لم يتجاوز عدد صفحات الكتاب 200 صفحة، لكنه أثار نقاشًا كبيرًا في الأوساط العلمية. سأشرح لكم هذا النقاش من خمسة جوانب بلغة بسيطة.
---
1. الرأي الأساسي: حتى الأحجار “تتطور”, وربما يكون الكون في عملية “تجميع ذاتي”
أولاً، علينا أن نفهم ما يقوله الكاتبان بالضبط.
عادةً ما نعتقد أن “التطور” يحدث فقط للكائنات الحية، مثل تحول الديناصورات إلى طيور أو القرود إلى بشر. لكن هاسون وهوانغ يقولان: لا، حتى الأحجار تتطور.
- الدليل: المعادن: عندما ولد الكون، كان هناك نوع واحد فقط من المعادن (الألماس). مع انفجارات النجوم وإعادة ترتيب العناصر، ظهرت 25 نوعًا جديدًا من المعادن. على الأرض، ارتفع عدد أنواع المعادن إلى أكثر من 6000 نوع.
- المنطق: ليس كل مزيج من المعادن يمكن أن يستقر. معظمها يتفكك عند الاصطدام، لكن فقط تلك التي تتمتع ببنية مستقرة وقادرة على تحمل الضغوط البيئية هي التي بقيت.
- الاستنتاج: هذه العملية من “الانتقاء الطبيعي” تحدث أيضًا في عالم المعادن، ويعتقد الكتابان أن أي نظام يلبي ثلاثة شروط (وجود العديد من التركيبات الممكنة، وظهور تركيبات جديدة، ووجود آلية للاختيار) سيصبح تلقائيًا أكثر تعقيدًا ووظيفية.
---
2. الأساس النظري: ما هو “المعلومات الوظيفية”، وما الذي تقيسه؟
لإثبات أن الكون يصبح أكثر تعقيدًا، نحتاج إلى مقياس لقياس “التعقيد” أو “النظام”. المقياس الذي استخدمه الكتابان هو “المعلومات الوظيفية”, وهو مفهوم من ابتكار الحاصل على جائزة نوبل جاك شوستاك.
كيف نفهم “المعلومات الوظيفية”؟
- مثال: لنفترض أنك تبحث عن مفتاح لفتح قفل معين. إذا كان بإمكان أي مفتاح فتحه، فإن “المعلومات الوظيفية” لهذا المفتاح منخفضة (لأنه سهل الاستخدام). أما إذا كان هناك مليار مفتاح وواحد فقط يمكنه الفتح، فإن “المعلومات الوظيفية” لهذا المفتاح عالية جدًا (لأنه اختير من بين العديد من الاحتمالات).
- في العلم: وجد شوستاك أنه مع زيادة عدد مرات فحص قطع الحمض النووي الريبي، تصبح القطع القادرة على أداء وظيفة معينة أكثر ندرة، لكن “المعلومات الوظيفية” لها تزداد.
- في المعادن: يقول فريق هاسون إن “المعلومات الوظيفية” للمعادن تزداد عبر الزمن. وهذا يعني أن المعادن الحديثة أكثر “تميزًا” و“قيمة” من المعادن القديمة من ناحية الاستقرار.
---
3. التناقضات الداخلية: لماذا يتصارع العلماء حول هذا الموضوع؟
كان هناك نقاش طويل في الأوساط العلمية حول كيفية ظهور “النظام” في ظل زيادة الإنتروبيا. كان الاعتقاد السائد أن وجود طاقة (مثل ضوء الشمس) يمكن أن يؤدي إلى ظهور ترتيبات محلية (نظريات شرودينجر وبريجوجين). لكن هاسون وهوانغ يريدان وضع قانون جديد.
مع ذلك، هناك مجموعة أخرى من العلماء تدعو إلى “نظرية التجميع” (تم اقتراحها من قبل لي كرونينج وسارة ووكر)، والتي تستخدم “مؤشر التجميع” لقياس التعقيد. يقول هاسون إن بعض المعادن غير الحية (مثل الأحجار) لها مؤشرات تجميع عالية مماثلة للجزيئات الحية، مما يجعل من المستحيل اعتبارها أشكالًا من الحياة.
---
4. الانتقادات الخارجية: هل هذا “قانون جديد” أم مجرد إعادة تقديم لمفاهيم قديمة؟
هناك انتقادات من الخارج، من ثلاثة جوانب:
1. نظرية الإضافة: يقول هيكتور زيرنيل إن ما اكتشفه الكتاب هو في الواقع ما تنبأت به الخوارزميات الحاسوبية، وأن الهياكل البسيطة والمعيارية أكثر شيوعًا، لذا لا حاجة لوضع قانون جديد.
2. نظرية عدم القابلية للقياس: يشير ووكر إلى أنه من المستحيل حساب “المعلومات الوظيفية” للكائنات الحية، مما يجعل النظرية غير علمية.
3. نظرية التناقض: يقول مجلة “الناشر” إن النظرية لا تستطيع التنبؤ بالمستقبل، وبالتالي لا يمكن اعتبارها قانونًا علميًا حقيقيًا.
---
5. الخلاصة: هل نحن وحيدون في الكون؟
المساهمة الرئيسية لهذا الكتاب ليست في تقديم إجابة نهائية، بل في تغيير طريقة طرح السؤال. السؤال السابق كان: هل التعقيد يتعارض مع القانون الثاني للديناميكا الحرارية؟ الآن السؤال هو: هل التعقيد نتيجة طبيعية أخرى غير القانون الثاني للديناميكا الحرارية؟
إذا كان هاسون وهوانغ على حق، فإن الكون لا يتجه نحو الفوضى الكاملة فحسب، بل أيضًا نحو “تعقيد وظيفي”. هذا يعني أن الحياة الذكية مثل البشرية قد لا تكون حالة فريدة، بل نتيجة حتمية لهذا الاتجاه.
بالنسبة للناس العاديين، الكتاب يجعلنا نعيد التفكير في قيمة “النظام”. في عالم يبدو فوضويًا، الهياكل “المفيدة” والمستقرة ستبقى بفعل الطبيعة. سواء كانت المعادن أو الجزيئات الحية أو الحضارات، طالما أنك تظهر “وظيفة” فريدة، يمكنك أن تصبح جزءًا من هذا التطور.
الإجابة النهائية ستأتي عندما تعود مركبة “ترينتان” التابعة لناسا من تيتان… حتى ذلك الحين، هذا مجرد تخمين علمي مثير ومثير للجدل، لكنه مليء بالإلهام.