مرحبًا بالجميع، أنا صحفي مالي وعالم اقتصادي. الموضوع الذي سنناقشه اليوم قد يبدو بعيدًا عن “وظائف” الكثير من الناس العاديين، ولكنه في الواقع مرتبط ارتباطًا وثيقًا بشعورنا جميعًا بالأمان الوظيفي، وحتى بحيوية الابتكار في المجتمع بأكمله: هل يجب تغيير نظام “التعيين الدائم” لأساتذة الجامعات؟ هل يجب أن يكون للمعلمين “وظائف مضمونة”؟
في الآونة الأخيرة، كان هناك جدل كبير على الإنترنت: من ناحية، يقول البعض إن المعلمين لا يجب أن يكونوا مستسلمين ويجب أن يكون هناك دخول وخروج من المناصب؛ ومن ناحية أخرى، يقولون إن المعلمين يخضعون للتقييمات يوميًا، فكيف يمكنهم التفكير في البحث العلمي؟
في الواقع، تبسيط المسألة إلى “هل نريد وظائف مضمونة” أمر سطحي للغاية. اليوم، سأستخدم لغة بسيطة لشرح المقال المتعمق الذي كتبه البروفيسور هوانغ فوتاو من جامعة هيروشيما، لكي أوضح لكم العقلانية الاقتصادية وراء هذا الموضوع والتنافس البشري.
---
ملخص المحتوى الأساسي
الرأي الأساسي في المقال هو أن نظام “التعيين الدائم” ليس مجرد منح المعلمين “وثيقة ضمان للبقاء في مناصبهم”, بل هو في جوهره آلية لتوزيع المخاطر. الجامعة هي مكان لإنتاج المعرفة، وإنتاج المعرفة مليء بعدم اليقين (قد يكون البحث الذي يتم اليوم عديم الفائدة بعد عشر سنوات، أو قد يظهر فجأة بعد عشر سنوات). إذا تم تحميل المعلمين مخاطر فشل البحث وكذلك مخاطر البطالة أو انخفاض الرواتب، فإن المعلمين العقلانيين سيختارون الطريق الأكثر أمانًا بدلاً من الطريق الأكثر قيمة.
الغرض الحقيقي من نظام التعيين الدائم هو منح المعلمين توقعات وظيفية مستقرة نسبيًا بعد مرورهم بمنافسة شديدة في المراحل الأولى، مما يجعلهم يجرؤون على التعامل مع الموضوعات الصعبة والبطيئة التي قد تغير العالم. إذا تم إلغاء هذه الفترة المستقرة وجعل المنافسة مستمرة طوال مسيرتهم المهنية، قد يبدو الأمر مثيرًا للحيوية، ولكنه في الواقع قد يقضي على الابتكار الحقيقي.
---
تحليل عميق: فهم منطق نظام “التعيين الدائم” من خمسة أبعاد
1. لا يمكن تراكم المخاطر بلا حدود: لماذا يحتاج المعلمون إلى شعور بالأمان؟
دعونا نأخذ مثالًا. لنفترض أنك الرئيس التنفيذي لشركة ناشئة، عليك أن تقلق ليس فقط بشأن ما إذا كان المنتج سيُباع (مخاطر الأعمال)، ولكن أيضًا بشأن ما إذا كان المدير سيطردك غدًا (مخاطر الوظيفة). ماذا ستفعل في هذه الحالة؟
من المحتمل جدًا أنك لن تستثمر في تقنيات مبتكرة ذات مخاطر عالية وعوائد عالية، بل ستركز على التحسينات الصغيرة التي لا تخاطر بخسارة المال، لأن فشل الابتكار قد يؤدي إلى فشل المشروع وفقدان الوظيفة.
نفس المنطق ينطبق على الأوساط الأكاديمية:
- مخاطر إنتاج المعرفة: قد أقضي 5 سنوات في البحث في مجال نادر ولا أنتج شيئًا في النهاية.
- مخاطر البقاء في الوظيفة: إذا طلبت مني المدرسة التقييم كل 3 سنوات ولم أفِ بالمعايير، قد أُطرد.
عندما تتراكم هذه المخاطر، يكون الاختيار الأكثر عقلانية هو تجنب المخاطر. سيختار المعلمون المواضيع التي يسهل نشر الأبحاث فيها، والمشاريع التي يمكن تحقيق نتائج سريعة فيها. هذا يؤدي إلى مفارقة: تريد المدارس أن تحفز الابتكار من خلال المنافسة، ولكن النتيجة هي ظهور أشخاص أنانيين وقصيري النظر أكاديميًا.
جوهر نظام التعيين الدائم هو عزل المخاطر. في المراحل الأولى، يتحمل المعلمون مخاطر وظيفية كبيرة؛ وبمجرد الحصول على التعيين الدائم بعد المراحل الأولى، تتحمل المدرسة المخاطر الرئيسية، مما يسمح للمعلمين بالتركيز على مخاطر إنتاج المعرفة. إذا اختفت هذه الحاجزة، سيصبح الابتكار أكثر صعوبة.
2. عدم تطابق مقاييس الزمن: استخدام قواعد “السباق القصير” لـ “الماراثون”
الكثير من النقاشات تدور حول ما إذا كانت مؤشرات التقييم علمية أم لا، مثل ما إذا كانت تعتمد فقط على عدد الأوراق البحثية. لكن المقال يشير إلى مشكلة أخفى: مدة التقييم نفسها غير صحيحة.
البحث العلمي، خاصة في العلوم الأساسية والعلوم الإنسانية، يتطلب تراكمًا طويلًا:
- قد يستغرق البحث في العلوم التجريبية 3-5 سنوات لتحقيق نتائج.
- قد يستغرق العلوم الإنسانية 10 سنوات لإنتاج عمل رئيسي.
- قد تتم الموافقة على بعض النظريات الثورية بعد 20 عامًا.
لكن التقييمات الحالية تتم كل 3 أو 5 سنوات. هذا كما لو أن شخصًا يزرع أشجارًا يُطلب منه تقديم تقرير كل 3 سنوات عن مدى نمو الأشجار؛ إذا لم تصل إلى الارتفاع المطلوب، يتم قطعها. النتيجة هي أن لا أحد يرغب في زراعة أشجار تحتاج 20 عامًا لتنمو، بل يفضلون زراعة الخيزران السريع النمو أو بيع الشتلات.
نظام التقييم لا يقيس الماضي فحسب، بل يحدد المستقبل أيضًا. عندما تصبح “3 سنوات” خطًا حاسمًا، لا تعد مجرد دورة إدارية، بل تصبح وحدة زمنية فعلية للأنشطة البحثية. سيضطر المعلمون إلى تعديل إيقاع بحوثهم لتتناسب مع هذه الدورة القصيرة. التقييم الفعال يتطلب الاعتراف بأن المجالات المختلفة تحتاج إلى أوقات مختلفة.
3. المنافسة بلا نهاية: فخ “التنافس الداخلي” في المهنة الأكاديمية
في الماضي، كانت الأوساط الأكاديمية متنافسة، ولكن كان هناك هدف: طالما تجاوزت مراحل الدكتوراه وما بعدها والفترة التجريبية، ستكون حياتك مستقرة. هذا الهيكل “مخاطر عالية في المراحل الأولى، استقرار في المراحل اللاحقة” جعل الشباب يرغبون في الانضمام إلى المجال.
لكن الآن، تتجه العديد من الجامعات إلى إصلاحات تتضمن تقييمات دورية حتى بعد التعيين الدائم، وحتى إمكانية الإقالة. هذا يعني أن المنافسة تتحول من “تذكرة دخول” إلى “نظام مدى الحياة”.
- في الماضي: بعد عبور الجسر الضيق، كان هناك مستوى مستقر.
- الآن: بعد عبور الجسر الضيق، لا يزال هناك جسر ضيق، والجسر يصبح أضيق باستمرار.
هذا يشكل ضربة كبيرة للعلماء الشباب. عليهم التفكير ليس فقط في أهدافهم الأكاديمية، ولكن أيضًا في مشاكل حياتهم الواقعية: هل يمكنني معرفة كيف ستكون حياتي بعد 5 أو 10 سنوات؟
إذا تم حرمانهم تمامًا من شعور الأمان الوظيفي، فإن العمل الأكاديمي سيفقد جاذبيته للمواهب البارزة. سيفكر الناس: إذا كان علي القلق طوال حياتي، فمن الأفضل العمل في شركة براتب أعلى أو الانضمام إلى مؤسسة أكثر استقرارًا. نظام التعيين الدائم يوفر “استقرارًا متوقعًا”, وهو ما يجعل المواهب تستثمر طويلًا في الأكاديمية.
4. لا تخلط بين “الفحص الطبي” و“الحكم”: يجب فصل ثلاثة أنواع من التقييمات
يقدم المقال تمييزًا رائعًا بين ثلاثة أنواع من التقييمات في الجامعات، والخلط بينها خطأ فادح:
1. تقييم الأداء الأساسي (الفحص الطبي): هل تدرس بجد؟ هل تهتم بطلابك؟ هل تتغيب عن عملك لفترات طويلة؟ هذه خطوط أساسية يجب التحقق منها.
2. تقييم التطور المهني (الاستشارة): هل اتجاه بحثك الحالي صحيح؟ ما هي الموارد التي تحتاجها؟ كيف يمكن تحسين التدريس؟ هذا من أجل مساعدتك، ويجب أن يكون بناءً وتفاعليًا.
3. تقييم بقاء المنصب (الحكم): هل